القسم الأول الأطر التشريعية
هذا الجزء من التقرير يناقش أبرز الأنظمة الجديدة التي صدرت خلال الفترة التي تلت إصدار التقرير الأول، وتقويمها، وتحديد مدى انسجامها مع معايير حقوق الإنسان.
ولا بد في البداية من الإشارة إلى أن الجمعية قد نشرت دراسة مفصلة عن مدى انسجام عدد من الأنظمة السعودية مع الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان التي انضمت إليها المملكة ، وقد أظهرت الدراسة أن هناك بعض الأنظمة تتضمن نصوصاً قد تتعارض مع تلك الاتفاقيات الدولية التي تتمتع بموجب النظام الأساسي للحكم بأولوية على الأنظمة المحلية، و إن كانت في منزلة أدنى من الشريعة الإسلامية التي تعد -وفقاً للمادة الأولى من هذا النظام- دستوراً للمملكة.
ومن المعلوم أن الأنظمة في المملكة تصدر بمراسيم ملكية بعد دراستها في مجلس الشورى بعد إحالتها إليه كمشاريع أنظمة من مجلس الوزراء أو من الأجهزة الحكومية حيث توضع الصياغة الأولى لها من خلال هيئة الخبراء في مجلس الوزراء.
و من المعلوم أن مجلسي الشورى والوزراء يتقاسمان السلطة التنظيمية "التشريعية"في المملكة. و مع أن مجلس الوزراء يمثل السلطة التنفيذية في مؤسسات الدولة، فإنه يتمتع بدور مهم في عملية سن الأنظمة، حيث تبدأ هذه العملية من المجلس بصياغة مسودة مشاريع الأنظمة ومن ثم تنتهي إليه، حيث للمجلس الحق في إقرار الأنظمة بعد صياغتها بشكلها النهائي من قبل مجلس الشورى.
و مع أن متطلبات إدارة الدولة اليوم وأنشطتها وبرامجها التنموية المختلفة تحتم مشاركة السلطات التنفيذية والتنظيمية "التشريعية" في وضع الأنظمة وهو ما يحدث في عدد من الدول، إلا أن الدور المزدوج لمجلس الوزراء في عملية التشريع يمنح السلطة التنفيذية نفوذاً يساوي أو يتجاوز دور مجلس الشورى الذي يعد المؤسسة الممثلة للسلطة التنظيمية "التشريعية" في المملكة و هذا يعد من المآخذ الرئيسة على عملية التشريع في المملكة.
وخلال الفترة التي يغطيها التقرير ظهرت بعض مشاريع الأنظمة وصدرت بعض الأنظمة والقوانين التي لها تأثير على حماية وتعزيز حقوق الإنسان ،ومنها صدور نظام القضاء، ونظام ديوان المظالم، وآلية العمل التنفيذية لكل منهما,ومشروع نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، ونظام مكافحة جرائم المعلوماتية، ونظام المرور الجديد,و نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، والموافقة على لائحته التنفيذية, وصدور اللائحة التنظيمية لمراكز التنمية الاجتماعية .كما تم المصادقة على الميثاق العربي لحقوق الإنسان وهو ميثاق يحتوي على العديد من المواد الهامة التي تهدف إلى كفالة حقوق الأفراد وتضمن حرية الرأي والتعبير.
وسوف نتناول بشي من التفصيل أبرز هذه الأنظمة و التشريعات ومنها:
1- نظام القضاء و نظام ديوان المظالم :
سنقتصر في هذا الجزء على مناقشة نظام القضاء ونظام ديوان المظالم فقط و سيكون هناك مناقشة لاحقة في القسم الثاني من هذا التقرير لجهاز القضاء و ما تم رصده من ملاحظات من خلال ما ورد للجمعية من شكاوى من مواطنين و مقيمين.
صدر نظام القضاء ونظام ديوان المظالم بموجب المرسوم الملكي رقم م/78 وتاريخ 19/9/1428هـ وقد حل نظام القضاء هذا محل نظام القضاء السابق الصادر بالمرسوم الملكي رقم ( م / 64 ) وتاريخ 14 / 7 / 1395هـ. وحل نظام ديوان المظالم الجديد محل نظامه السابق الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م / 51) وتاريخ 17 / 7 / 1402هـ
ويعد صدور هذين النظامين من الطفرات التنظيمية في المملكة و يوازيان في أهميتهما صدور الأنظمة العدلية الثلاثة قبل عدة سنوات ( نظام الإجراءات الجزائية، نظام المرافعات الشرعية، ونظام المحاماة) والتي أثبتت التجربة أن قيمتها و فاعليتها تتوقف على تحديث أنظمة القضاء.
و مع أن مسودة هذين النظامين التي أعدتها لجنة متخصصة قد أخذت مدة زمنية طويلة قبل إحالتها لمجلس الشورى، فإن المجلس ناقشهما بشكل سريع ولم يمنحا الوقت الكافي لمناقشتهما مقارنة بأهميتهما وكذلك مقارنة بالوقت الذي يخصص للأنظمة الأخرى الأقل أهمية. و لاشك أن هذا مأخذ يسجل على مجلس الشورى رغم ما بذل من مناقشات من قبل بعض أعضاء المجلس خلال الفترة القصيرة التي عرض فيها النظام.
و مع هذا المأخذ فإن صدور نظامي القضاء وديوان المظالم لقي ترحيبا كبيرًا من المجتمع من خلال ما كتب عنه في الصحافة مما يعكس رغبة كبيرة في تطوير مرفق القضاء الذي يمس حياة الأفراد بشكل مباشر و هام.
وقد اشتمل نظام القضاء الجديد على خمس وثمانين مادة تضمنت الحديث عن استقلال القضاء وضماناته و تكوين المجلس الأعلى للقضاء واختصاصاته والمحاكم وولايتها وتعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وندبهم وإجازاتهم وواجباتهم والتفتيش على أعمالهم وتأديبهم وانتهاء خدمتهم.
كما حصر النظام دور وزارة العدل في تولي الإشراف الإداري والمالي على المحاكم وكتابات العدل، وأنشأ مركزاً للبحوث يتولى نشر الأحكام القضائية المختارة بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء.
و من أبرز ما أضافه نظام القضاء الجديد ما تضمنته المادة التاسعة من إتاحة التقاضي على ثلاث مراحل، عندما بينت أن المحاكم تتكون من: المحكمة العليا , ومحاكم الاستئناف ,و محاكم الدرجة الأولى المتمثلة في:المحاكم العامة ,المحاكم الجزائية , محاكم الأحوال الشخصية ,المحاكم التجارية ,المحاكم العمالية .
ويلاحظ إيجاد محكمة عليا ومحاكم استئناف بدلاً من محكمة التمييز وتعود إليها الاختصاصات القضائية لمجلس القضاء الأعلى. ومعلوم أن حق الاستئناف لا يتيحه النظام القضائي السابق الذي يقتصر على تمييز الأحكام القضائية و يحصر حق المتنازعين كأصل عام في تقديم لوائح اعتراضية دون حق الترافع .
كما أضاف نظام القضاء الجديد خاصية أخرى مهمة تتمثل في التخصص القضائي حيث أنشاء محاكم متخصصة هي المحاكم التجارية,والمحاكم العمالية ،ومحاكم الأحوال الشخصية, وهذا أمر مهم جدًا بالنظر إلى الوضع القائم حاليًا المتصف بالبطء في نظر وحسم القضايا بسرعة ،وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية والقضايا العمالية.
وقد أوكل نظام القضاء الجديد للمجلس الأعلى للقضاء صلاحية تولى إصدار لائحة للتفتيش القضائي وإصدار قواعد تنظم اختصاصات وصلاحيات رؤساء المحاكم ومساعديهم و إصدار قواعد تبين طريقة اختيار القضاة، وكان من الأفضل وضع أسس مثل هذه الأمور في صلب النظام،وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بالتفتيش القضائي وطريقة اختيار القضاة،فالواقع الحالي أثبت أن هناك أهمية كبرى لتفعيل دور التفتيش القضائي وآلية اختيار القضاة. والجمعية تدعو عند وضع مثل هذه اللوائح إلى إدراج نصوص واضحة وصريحة وعادلة وبعيدة عن التأويل والاجتهادات الفردية لضمان قيام جهاز التفتيش القضائي بدوره بفعالية، ولتحسين الآلية المتبعة حاليًا في اختيار القضاة والتي يعاب عليها عدم خضوعها لقواعد واضحة تضمن العدالة والموضوعية والكفاءة في اختيار القضاة.
والمحكمة العليا التي تضمنها نظام القضاء الجديد تباشر اختصاصاتها من خلال دوائر متخصصة بحسب الحاجة تؤلف كل منها من ثلاثة قضاة باستثناء الدائرة الجزائية التي تنظر في الأحكام الصادرة بالقتل أو القطع أو الرجم أو القصاص في النفس أو فيما دونها، فإنها تؤلف من خمسة قضاة.
وتتولى المحكمة العليا بالإضافة إلى الاختصاصات المنصوص عليها في نظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية مراقبة سلامة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض معها في القضايا التي تدخل
ضمن ولاية القضاء العام وذلك في الاختصاصات الآتية :
1 - مراجعة الأحكام والقرارات التي تصدرها أو تؤيدها محاكم الاستئناف بالقتل أو القطع أو الرجم أو القصاص في النفس أو فيما دونها.
2 - مراجعة الأحكام والقرارات التي تصدرها أو تؤيدها محاكم الاستئناف المتعلقة بقضايا لم ترد في الفقرة السابقة أو بمسائل نهائية ونحوها وذلك دون أن تتناول وقائع القضايا متى كان محل الاعتراض على الحكم ما يلي :
أ / مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض معها.
ب / صدور الحكم من محكمة غير مشكلة تشكيلاً سليماً طبقا لما نص عليه في هذا النظام وغيره من الأنظمة.
ج / صدور الحكم من محكمة أو دائرة غير مختصة.
د / الخطأ في تكييف الواقعة أو وصفها وصفا غير سليم.
وقد عهد النظام للهيئة العامة للمحكمة العليا المكونة من رئيس المحكمة وعضوية جميع قضاتها تقرير المبادئ العامة في المسائل المتعلقة بالقضاء التي يؤمل أن تحد من اختلاف الأحكام في الوقائع أو القضايا المتشابهة التي تم ملاحظتها في ظل تطبيق النظام السابق. فقد نصت المادة الرابعة عشرة من هذا النظام على انه إذا رأت إحدى دوائر المحكمة العليا في شأن قضية تنظرها العدول عن مبدأ سبق أن أخذت به أو أخذت به دائرة أخرى في المحكمة نفسها في قضايا سابقة أو رأت إحدى دوائر محكمة الاستئناف العدول عن مبدأ سبق أن أخذت به إحدى دوائر المحكمة العليا في قضايا سابقة فيرفع الأمر إلى رئيس المحكمة العليا لإحالته إلى الهيئة العامة للمحكمة العليا للفصل فيه.
وقد أحسن المنظم بان وضع في كل منطقة محكمة استئناف أو أكثر تباشر أعمالها من خلال دوائر متخصصة (الدوائر الحقوقية,الدوائر الجزائية, دوائر الأحوال الشخصية, الدوائر التجارية, الدوائر العمالية) تؤلف كل دائرة منها من ثلاثة قضاة باستثناء الدائرة الجزائية التي تنظر في قضايا القتل والقطع والرجم والقصاص في النفس أو فيما دونها فتؤلف من خمسة قضاة لان هذا الأمر يسهل على الخصوم الوصول إلى القضاء.
وقد تضمن النظام الجديد إنشاء دوائر للتنفيذ في المحاكم العامة في المناطق وكذلك دوائر للفصل في الدعاوى الناشئة عن حوادث السير وعن المخالفات المنصوص عليها في نظام المرور ولائحته التنفيذية.كما أوجد النظام دوائر لقضايا الأحداث في المحاكم الجزائية وهذا أمر مهم.
وفيما يتعلق بشروط من يتولى القضاء فيؤخذ على النظام القضائي الجديد تحديده للحد الأدنى لسن القاضي الذي يعين (في إحدى درجات السلك القضائي الأقل من قاضي الاستئناف) باثنتين وعشرين سنة،وكان من المفترض رفع سن من يتعين في السلك القضائي بحيث لا يقل عن خمسة وعشرين سنة،كما أن اشتراط الحصول على شهادة إحدى كليات الشريعة بالمملكة أو شهادة أخرى معادلة لها بشرط أن ينجح في الحالة الأخيرة في امتحان خاص يعده المجلس الأعلى للقضاء, قد لا يفي بالمطلوب بالنسبة للقاضي الذي يعين في المحاكم التجارية والمحاكم العمالية التي يعتمد الفصل في قضاياها على الأنظمة والقوانين والتي تحتاج لخريجي كليات الأنظمة وأقسام القانون وكان الأولى أن يوضع شرط لمن يتعين في السلك القضائي أن يكون حاصلاً على شهادة البكالوريوس في الشريعة ودبلوم في الأنظمة أو القانون أو بكالوريوس في الأنظمة أو القانون ودبلوم في الشريعة ؛لان الفصل في القضايا في الوقت المعاصر يقتضي الإلمام بالشريعة والقانون كما كان ينبغي أن لا يعين في القضاء من قل تقديره في الشهادة الجامعية عن جيد جدا بدلاً من جيد وأن تكون الكفاءة هي المعيار الأول في الترقية بدلاً من الأقدمية المطلقة التي أخذ بها النظام الجديد.
أما نظام ديوان المظالم الجديد فقد اشتمل على ست وعشرين مادة تضمنت الإشارة إلى أن بعض أحكام نظام القضاء تنطبق على قضاة ديوان المظالم وأكد على أن ديوان المظالم هيئة قضاء إداري مستقلة يرتبط مباشرة بالملك.
وأنشأ مجلساً للقضاء الإداري ، وبين أن محاكم ديوان المظالم تتكون من المحكمة الإدارية العليا ، محاكم الاستئناف الإدارية ,و المحاكم الإدارية التي تباشر اختصاصاتها من خلال دوائر متخصصة تتكون من ثلاثة قضاة ما عدا دوائر المحاكم الإدارية فيجوز أن تكون من قاض واحد.
وقد أكد نظام ديوان المظالم الجديد على أهمية الأخذ بالمبادئ التي تقررها الأحكام السابقة فبين أنه إِذا رأت إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا عند نظرها أحد الاعتراضات العدول عن مبدأ تقرر في حكم صادر منها أو من إحدى دوائر المحكمة فإنه يتعين على الدائرة رفع الاعتراض إلى رئيس المحكمة الذي يسمى بأمر ملكي وتكون درجته بمرتبة وزير ليحيله إلى الهيئة العامة للمحكمة للفصل فيه.
والهيئة العامة للمحكمة الإدارية العليا تكون برئاسة رئيس المحكمة وعضوية جميع قضاتها. وهذا أمر محمود لما فيه من توحيد للاجتهادات القضائية.
كما أكد نظام ديوان المظالم الجديد ما كان موجودًا في النظام السابق من عدم جواز نظر محاكم ديوان المظالم في الدعاوى المتعلقة بأعمال السيادة ،وكان من الأهمية بمكان تحديد مفهوم السيادة أو وضع ضابط للدعاوي المتعلقة بها، فقد رصدت الجمعية في ظل تطبيق النظام السابق أن الديوان يرفض النظر في بعض القضايا بحجة أنها تتعلق بأعمال السيادة ومن ذلك بعض الدعاوي الموجهة ضد بعض الأجهزة الحكومية بسبب إصدارها قرارات بمنع بعض الأفراد من السفر مما يعني إمكان إلحاق الضرر بحقوق بعض الأفراد بسبب اجتهادات و تفسيرات لبعض القضاة لمفهوم أعمال السيادة. كما يؤخذ على النظام القضائي الجديد أيضًا عدم الأخذ بمبدأ الطعن في الأنظمة التي قد تخالف قواعد الشريعة الإسلامية أو النظام الأساسي للحكم أو نصوص الاتفاقيات الإقليمية والدولية التي انضمت إليها المملكة.
2- مشروع نظام الجمعيات و المؤسسات الأهلية :
إصدار نظام موحد لكافة التكتلات المهنية أياً كان مسماها بدلاً من الوضع المتشتت الراهن أمر من الأهمية بمكان ، بحيث يحدد مثل هذا النظام شروط تكوينها وعضويتها وآلية الإشراف عليها دون أن ينطوي ذلك على تمييز أو تفرقة.
وليس من المبالغة القول إن مشروع نظام الجمعيات و المؤسسات الأهلية يعد أهم مشروع ناقشه مجلس الشورى منذ إعادة تشكيله باعتباره من أبرز الأنظمة الحديثة في تاريخ المملكة و يؤسس لمرحلة جديدة للعمل الأهلي. هذه الأهمية هي ما يفسر الاهتمام الكبير الذي لقيه المشروع من خلال تفاعل نخب و أفراد المجتمع مع مجلس الشورى منذ اللحظة الأولى التي عرف عن المشروع على غير عادة المجلس الذي يبقى مشاريع الأنظمة بعيدًا عن الرأي العام مما يحول دون المشاركة في إبداء الرأي حولها، و تعد هذه السرية في أسلوب تعاطي المجلس مع مشاريع الأنظمة من أبرز عيوب العملية التشريعية في المملكة.
و يحسب لمجلس الشورى استجابته لدعوات النخب و المهتمين بالتريث في إعداد المشروع و عدم الاستعجال في إقراره نظراً لأهميته الكبيرة.
المسودة الأولى للمشروع اشتملت على قيود كثيرة جداً ،ومنحت الجهات المراد لها الإشراف على العمل الأهلي صلاحيات واسعة كان من شأنها- لو أقرت- أن تفرغ العمل الأهلي من قيمته وتجعله مجرد قطاع صوري دون قيمة.
ولقد بادرت مؤسسات المجتمع المدني إلى نقد المسودة و دعت المجلس لإعادة النظر في كثير من موادها، و استجاب المجلس و شكل لجنة خاصة لإعادة صياغة المشروع و اجتهدت اللجنة حيث أخذت بالكثير من الملاحظات المطروحة و عقدت جلسات خاصة دعي لها ممثلون عن القطاع الأهلي للاستماع لملاحظاتهم و انتهت إلى إعادة صياغة مسودة المشروع وتعديله بشكل خفف الكثير من القيود المفروضة على العمل الأهلي التي عابت المسودة الأولية للمشروع.
وقد صوت مجلس الشورى مؤخراً على المشروع في شكله الجديد و أرسل إلى مجلس الوزراء لإقراره. و مع أن المشروع في نسخته الأخيرة يمثل نقلة و خطوة متقدمة، فإنه لم يخل من بعض الملاحظات التي قد تكون عائقاً أمام تطوير العمل الأهلي في المملكة الذي يعد من بين أهداف النظام.
و لعل أبرز ملاحظة على المشروع الذي أقره مجلس الشورى ما تضمنه بشأن منع قيام الجمعيات و المؤسسات بما يتعارض مع النظام العام و لاشك أن هذه عبارات عامة فضفاضة تتيح مجالاً واسعاً للاجتهاد و التفسير ويجعلها قابلة لاستخدام منع الترخيص لجمعيات أو مؤسسات بحجة تعارض أنظمتها مع النظام العام.
و حتى كتابة هذا التقرير لم يصدر هذا النظام، و الجمعية تطالب بالإسراع في إقراره و تؤكد على الحاجة إلى مراجعته لتنقيته من النصوص التي قد تقيد عمل جمعيات المجتمع المدني.
3- نظام مكافحة جرائم المعلوماتية:
صدر نظام مكافحة جرائم المعلوماتية في شهر ربيع الأول 1428هـ بهدف الحد من انتشار جرائم المعلوماتية، من خلال فرض عقوبات تصل في بعضها إلى السجن عشر سنوات أو غرامة تصل إلى خمسة ملايين ريال.
ورغم أهمية النظام في منع الاستخدام السيئ للشبكات المعلوماتية، فإن الجمعية تلحظ أن تعريف الجرائم المعلوماتية الوارد في المادة السادسة قد يبرر تقييد استخدامات الشبكة المعلوماتية لأسباب لا علاقة لها بالجرائم المعلوماتية و يحد من حرية التعبير والوصول إلى المعلومة.
فقد تضمنت الفقرة الأولى من المادة وصفاً لواحدة من الجرائم التي يعاقب عليها النظام جاء على النحو التالي: " إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام، أو القيم الدينية، أو الآداب العامة، وحرمة الحياة الخاصة، أو إعداده، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي" ووفقاً للمادة فإن أياً من هذه الأعمال يعاقب مرتكبه بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين .
المأخذ على هذا التعريف يتعلق بمفاهيم النظام العام و القيم الدينية و الآداب العامة. فهي مفاهيم عامة يمكن تفسيرها بشكل واسع فضفاض لتجريم الكثير من الكتابات و المشاركات على الشبكة المعلوماتية بحجة المساس بهذه المفاهيم؛ لذلك فان الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان تطالب بإعادة النظر في هذه الفقرة و صياغتها بشكل دقيق جداً لكي لا يساء استخدامها لمنع الأفراد من ممارسة حقهم الطبيعي في التعبير و المشاركة بالرأي في قضايا الشأن العام.
4- نظام المرور:
صدر نظام المرور الجديد بموجب المرسوم الملكي رقم م/85 وتاريخ 26/10/1428هـ,وحل محل نظام المرور السابق ، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/49) تاريخ 6/11/1391هـ وتعديلاته وهذا النظام يؤمل أن يحقق الغرض الذي وضع من أجله فقد أنشأ مجلساً أعلى للمرور في وزارة الداخلية يصدر بتكوينه وتحديد مهماته واختصاصاته أمر ملكي ليكون السلطة العليا المشرفة على شؤون المرور في المملكة , ويؤمل أن يساهم هذا المجلس في وضع بعض الخطط والسياسات التي تحد من حوادث المرور في المملكة التي تشكل أحد أكبر الأخطار التي تهدد الحق في الحياة والسلامة من الإعاقة, كما أجاز النظام للمحكمة المختصة – لاعتبارات تقدرها – وقف تنفيذ العقوبة المحكوم بها وهذا أمر يعطي للقاضي سلطة تقديرية في مسألة تنفيذ العقوبة على المحكوم عليه بحسب الوقائع والظروف لكل قضية .
ومع ذلك فقد ورد في هذا النظام بعض المواد التي يمكن أن يلفت إليها الانتباه لما قد تمثله من انتقاص لبعض حقوق المواطنين .
ومن ذلك ما تضمنته المادة السادسة والثلاثون عندما اشترطت في من يحصل على رخصة القيادة :
- ألا يكون طالب رخصة القيادة العامة، ورخصة قيادة مركبات الأشغال العامة، قد سبق الحكم عليه قضائياً في جريمة اعتداء على النفس، أو العرض، أو المال، ما لم يكن قد رد إليه اعتباره.
- ألا يكون طالب الرخصة – مهما كان نوعها – قد أدين بحكم قضائي بتعاطي المخدرات ، أو صنعها ، أو تهريبها ، أو ترويجها ، أو حيازاتها ، ما لم يكن قد رد إليه اعتباره .
وهذه العقوبة التبعية التي تحرم الشخص المرتكب لهذه الأفعال من الحصول على رخصة القيادة العامة أو الخاصة فيها حرمان أو تقييد ليس للشخص نفسه فقط من الحق في استخدام وسيلة النقل الأكثر استخدامًا في المملكة بل يتعدى ذلك التقييد إلى من يعول بسبب تقييد حرية وليهم في التنقل وما يتبع ذلك من إلحاق الضرر بهم؛ ولذلك تدعو الجمعية لإعادة النظر في نصوص هذه المواد.
ولا يقلل من ذلك عبارة (ما لم يكن قد رد إليه اعتباره) لان آلية رد الاعتبار غير واضحة وغير محددة لا من حيث المدة ولا من حيث الجهة التي يمكن للمعني أن يلجا إليها ليطلب رد اعتباره، بل أن اشتراط رد الاعتبار وصحيفة السوابق أصبحت من العراقيل التي تحول دون ممارسة الشخص لحقه في العمل والجمعية تدعو لإعادة النظر في موضوع رد الاعتبار وصحيفة السوابق بما يضمن عدم إعاقتها حق الأشخاص في العمل و التنقل.
كما سمح النظام لوزير الداخلية بإنشاء جمعيات أهلية غير حكومية لتوعية المواطنين والحد من حوادث الطرق وهذا أمر تدعو الحاجة إليه لحفظ حق الحياة للإنسان والسلامة الجسدية.لكن مواد النظام التي لها علاقة وارتباط بإجراءات جزائية ومنها ما يعالج احتساب نقاط المخالفات وحق المخالف في الاعتراض على نموذج ضبط المخالفة يحتاج من اجل عدالة تنفيذه إلى الإسراع في إنشاء الدوائر المرورية في المحاكم العامة تنفيذا لنظام القضاء الجديد ، وان كان من الأفضل أن تتحول هذه الدوائر في المستقبل إلى محاكم مرورية متخصصة نظرا لإسناد جزء من مهام واختصاصات المرور إلى شركات تجارية كما هو الحال بالنسبة لسحب السيارات التالفة أو المخافة أو رفع تقارير الحوادث أو تسجيل المخالفات وما قد يتبع ذلك من تعدد للتظلمات أو للشكاوي في هذا الشأن.
القسم الثاني: البنية المؤسسية:
هذا الجزء من التقرير سيخصص لمناقشة عمل عدد من الأجهزة و المؤسسات الحكومية خلال الفترة التي يغطيها التقرير، والنظر في مدى التزامها بمعايير حقوق الإنسان أو المساعدة في تعزيزها وحمايتها.
ومع أنه تم خلال هذه الفترة الموافقة على إنشاء عدد من الهيئات الحكومية و بعض جمعيات المجتمع المدني مثل الهيئة الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد ،والهيئة العامة للإسكان ،وجمعية حماية المستهلك، فإن هذه الأجهزة لا زالت في طور الإنشاء والتبلور، ويؤمل في حالة استكمال بنيتها أن تساهم في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها وسوف يقتصر الحديث على الهيئات والأجهزة الحكومية الآتية:
1-مجلس الشورى.
2-الجهاز القضائي.
3- وزارة الداخلية .
4- هيئة التحقيق والادعاء العام.
5- هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
6-هيئة حقوق الإنسان.
1- مجلس الشورى:
أكد التقرير أن مجلس الشورى لم يشهد أي تطور ايجابي باتجاه توسيع المشاركة و تعزيز دوره الرقابي على أجهزة ومؤسسات السلطة التنفيذية. فقد كان تحرك المجلس محدودا- بسبب افتقاره للصلاحيات اللازمة- فيما يتعلق بمعالجة ما تعرض له المجتمع من مشاكل ألحقت الضرر بالأوضاع المعيشية للمواطنين.
وطالب التقرير بإعادة النظر في آلية تشكيل المجلس و الأخذ بأسلوب الانتخاب بدلاً من التعيين على ان يكون تدريجياً .
أضافة الى توسيع صلاحيات المجلس لتشمل المراقبة وخاصة مراقبة الميزانية
وحق مساءلة الوزراء . وانتقد التقرير السرية تعامله مع مشروعات الأنظمة و رفض إطلاع المجتمع عليها.
وكذلك راى التقرير أن التعديل الذي أدخل على المادة السابعة عشرة من النظام الداخلي للمجلس الذي يقلص حق الأعضاء في المداخلات إلى خمس دقائق بدلاً من عشر دقائق يعد تطوراً سلبياً، سواء من حيث مضمونه حيث يحد من فرص الأعضاء في المناقشة أو من حيث كيفية التعديل حيث صدر بأمر ملكي مما يضعف من مظهر استقلالية المجلس و كان الأولى أن يكون تحديد الحاجة للتعديل في يد المجلس، إضافة إلى أن فكرة تقليص الفترة الممنوحة للعضو لإبداء رأيه يمكن أن يفسر كمحاولة للحد من المداخلات غير المرغوبة.
رغم استمرار المجلس في دوره التقليدي المتمثل في دراسة الأنظمة و مراجعة الاتفاقيات الدولية و كذلك تقييم أداء الأجهزة الحكومية، فإن المجلس لم يشهد أي تطور ايجابي باتجاه توسيع المشاركة و تعزيز دوره الرقابي على أجهزة ومؤسسات السلطة التنفيذية. فقد كان تحرك المجلس محدودا- بسبب افتقاره للصلاحيات اللازمة- فيما يتعلق بمعالجة ما تعرض له المجتمع من مشاكل ألحقت الضرر بالأوضاع المعيشية للمواطنين و نشير هنا إلى الأتي :
(1) مشكلة انهيار سوق الأسهم الذي الحق خسائر كبيرة بالمستثمرين و خاصة صغارهم الذين دخلوا السوق رغبة في كسب سريع بقصد المحافظة على أحوالهم المعيشية و تحسينها في ظل تزايد تكاليف المعيشة.
(2) مشكلة الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار السلع و الخدمات و كذلك الإيجارات التي أضرت بشكل خاص بالفئات الأقل دخلاً في المجتمع.
و رغم أن المجلس حرص على متابعة هذه القضايا من خلال تشكيل لجان خاصة لدراستها و كذلك مناقشتها في جلسات متعددة و رفع توصيات بشأن معالجتها، إلا أن هذه الجهود كان أثرها محدوداً.
و لاشك أن تجاوب المجلس المحدود مع هذه الأزمات التي مست المواطن و المقيم يعود بالدرجة الأولى إلى محدودية صلاحياته التي تقتصر على التشريع وإصدار بعض التوصيات و مراجعة تقارير الأجهزة الحكومية دون حق صريح و واضح في مراقبتها و مساءلة المسئولين عنها عند تقصيرهم، و لعل ذلك ما يفسر عدم تجاوب بعض الوزراء مع دعوات المجلس لحضور جلساته و مناقشة أداء أجهزتهم.
كما أن اقتصار مناقشة ما يتعرض له المجتمع من مشاكل على عدد محدود من الأعضاء و بصفتهم الفردية يؤكد القيود المترتبة على آلية تعيين الأعضاء- بدلا من انتخابهم- على قدرتهم على القيام بدور الممثل عن المواطن و المدافع عن مصالحه.
لذلك تتأكد الحاجة إلى الآتي:
(1) إعادة النظر في آلية تشكيل المجلس و الأخذ بأسلوب الانتخاب بدلاً من التعيين و قد يكون ملائماً التدرج في هذا الاتجاه بالجمع بين الانتخاب و التعيين لمرحلة زمنية معينة و من ثم الانتقال لعملية الانتخاب الكامل للأعضاء مع وضع الشروط المناسبة لمن يتم ترشيحه بحيث يضمن وصول الاكفاء والمؤهلين للمجلس.
(2) توسيع صلاحيات المجلس لتشمل المراقبة وخاصة مراقبة الميزانية و حق مساءلة الوزراء.
(3) شمولية عملية مراجعة أداء الأجهزة الحكومية لكافة الوزارات دون استثناء لتشمل وزارت المالية و الداخلية و الدفاع والطيران و غير ذلك من أجهزة تتلقى مواردها المالية من المال العام.
نشير كذلك إلى أن مجلس الشورى و مع اتجاهه مؤخراً إلى نقل بعضً من مداولاته للرأي العام، فإنه لا يزال يتمسك بالسرية في تعامله مع مشروعات الأنظمة و رفض إطلاع المجتمع عليها، فما يصل الرأي العام لا يتجاوز تعليقات الأعضاء دون معرفة بمشاريع الأنظمة حتى يتم صدروها بشكلها النهائي، و لاشك أن هذا يعد مأخذاً على عملية دراسة الأنظمة خاصة تلك التي لها آثار مباشرة على حياة المواطن. و الجمعية من منطلق إيمانها بحق المواطن في المشاركة و حرصاً على تعزيز الشفافية تدعو مجلس الشورى إلى الإفصاح عن مشاريع الأنظمة و طرحها للرأي العام أثناء مرحلة المناقشة و الصياغة؛ ليتمكن من المساهمة في مناقشتها وإبداء الرأي بشأنها، فهو المعني الأول والأخير بها.
و تدعو الجمعية مجلس الشورى إلى وضع مشاريع الأنظمة على موقعه الالكتروني على الشبكة ،و كذلك نشرها في الصحف لإتاحة الفرصة للمهتمين والمتخصصين للتعليق عليها و تلقى وجهات النظر بشأنها.
ولا يقلل من أهمية ذلك طلب بعض لجان المجلس من بعض المتخصصين حضور مناقشات هذه اللجان وإبداء الرأي بشأن ما يعرض عليها من مشاريع أنظمة ولوائح .
أخيراً نشير إلى أن التعديل الذي أدخل على المادة السابعة عشرة من النظام الداخلي للمجلس الذي يقلص حق الأعضاء في المداخلات إلى خمس دقائق بدلاً من عشر دقائق يعد تطوراً سلبياً، سواء من حيث مضمونه حيث يحد من فرص الأعضاء في المناقشة أو من حيث كيفية التعديل حيث صدر بأمر ملكي مما يضعف من مظهر استقلالية المجلس و كان الأولى أن يكون تحديد الحاجة للتعديل في يد المجلس، إضافة إلى أن فكرة تقليص الفترة الممنوحة للعضو لإبداء رأيه يمكن أن يفسر كمحاولة للحد من المداخلات غير المرغوبة.
2- الجهاز القضائي:
انتقد التقرير البط في تنفيذ مشروع خادم الحرمين الشريفين لتطوير القضاء وعلى وجه الخصوص بالنسبة للقضاء العام مقارنة بديوان المظالم.
وطالبت الجمعية بمزيد من الضمانات اللازمة لاستقلال القضاء وتطويره كماً وكيفاً .
ورصدت الجمعية استمرار بعض الانتهاكات لضوابط المحاكمة العادلة منها :
1- عدم حصول المرأة في بعض الحالات، على حقها في التقاضي بسهولة، حيث لا زالت هناك بعض الصعوبات التي تواجهها في هذا الشأن بسبب عدم حمل بعض النساء لبطاقة الأحوال المدنية أو عدم اعتراف بعض القضاة أو كتاب العدل بها ورفض ولي الأمر أو المحرم الحضور مع المرأة إلى المحكمة أو كتابة العدل.
2- عدم الالتـزام في بعض الحالات بحق المساواة في التقاضي من تمييز بين الخصوم في الجلسات،وعدم السماح لأحدهم بالرد على الدعوى، أو الضغط عليه للاختصار في الدعوى.
3- عدم التقاضي العلني، حيث يتم اللجوء إلى سرية الجلسات في بعض القضايا المعروضة، مع مخالفة ذلك للأنظمة المحلية ولالتزامات المملكة الواردة في الاتفاقيات الدولية والتي تعتبر، جزءاً من النظام القانوني السعودي.
4- عدم التزام بعض القضاة أحياناً بمواعيد الجلسات أو تأجيل النظر في القضية إلى جلسات أخرى مع إمكانية الاستماع للخصوم وحسم النزاع في نفس الجلسة.
اضافة الى قلة عدد القضاة وطول مدة التقاضي .
يخضع الجهاز القضائي السعودي إلى تطوير وتحديث مدعوم من خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد، والعمل جار على تنفيذ مشروع تطوير القضاء الذي خصص له المقام السامي سبعة مليارات من الريالات ومع ذلك يلاحظ وجود بطء في التنفيذ، وعلى وجه الخصوص بالنسبة للقضاء العام مقارنة بديوان المظالم الذي استطاع خلال فترة وجيزة أن يرتب بعض أوضاعه بما يتوافق مع نظامه الجديد الذي يقصر اختصاصه بشكل عام على القضاء الإداري.
فعلى الرغم من الجهود التي تبذلها وزارة العدل في سبيل تطوير مرفق القضاء، فإن إنشاء المحاكم بمختلف أنواعها التي نص عليها نظام القضاء الجديد،وتأهيل قضاتها، ونشرها في المناطق والمحافظات، يسير بشكل بطيء ويحتاج إلى جهود مضاعفة من قبل المجلس الأعلى للقضاء لوضعها موضع التنفيذ .
والجمعية تدعو إلى مزيد من الضمانات اللازمة لاستقلال القضاء وتطويره كماً وكيفاً ،وهو ما نأمل أن يتحقق من خلال التنظيمات، فالحاجة ماسة لوضع آلية مناسبة ومحكمة من جهات مهنية من خارج وزارة العدل والجهاز القضائي؛ من أجل تطوير الكوادر البشرية العاملة في المحاكم بما فيهم القضاة؛بما يضمن حصول المتقاضين على كامل حقوقهم .
فالحق في محاكمة عادلة وسريعة، حق طبيعي وهو الغاية من اللجوء إلى القضاء. والمحاكمة العادلة تحتاج إلى ضمانات لابد أن تراعى، وإن استقلال وحياد المحكمة، والمساواة أمام القضاء، وعلنية المحاكمة، وقرينة براءة الذمة طالما لم تثبت الإدانة, وسرعة البت في القضايا…الخ، كلها من الضمانات التي ينبغي التأكد من توافرها في الممارسة العملية. فلا بد من تيسير اللجوء إلى القضاء سواء من الناحية المادية بإنشاء مزيد من المحاكم وتوزيعها على جميع أنحاء المملكة أو من الناحية الإجرائية بأن لا يكون سبيل رفع الدعوى مثقلاً بطول الإجراءات وعدم الفصل السريع في النزاعات والخصومات.
إن من المهم أن تحترم الأنظمة التي سنتها الدولة،ويعمل على تطبيقها باعتبارها تشكل الضوابط الأساسية لسير عمل القضاء، وأن يتم تعريف وتدريب القضاة عليها، حتى لا تواجه بالرفض أو الإهمال باعتبارها أمرا محدثاً وسببًا في إطالة إجراءات التقاضي.
ولقد رصدت الجمعية استمرار بعض الانتهاكات لضوابط المحاكمة العادلة والتي تم الإشارة إلى بعضها في التقرير الأول و منها:
* عدم حصول المرأة في بعض الحالات، على حقها في التقاضي بسهولة، حيث لا زالت هناك بعض الصعوبات التي تواجهها في هذا الشأن بسبب عدم حمل بعض النساء لبطاقة الأحوال المدنية أو عدم اعتراف بعض القضاة أو كتاب العدل بها ورفض ولي الأمر أو المحرم الحضور مع المرأة إلى المحكمة أو كتابة العدل ويزداد الأمر سوءاً عندما يطلب القاضي أو كاتب العدل حضور الولي وتكون دعوى المرأة موجهة ضده أصلا مما يزيد من مدة التقاضي أو يحرم المرأة من حصولها على حقها، ومع ذلك فقد رصدت الجمعية تقدمًا في تمكين المرأة من حقوقها في التقاضي في بعض المحاكم وإن لم يشمل ذلك كل مناطق المملكة، وتبذل وزارة العدل جهوداً من أجل تسهيل وصول المرأة إلى القضاء في حالة احتياجها لذلك.
* عدم الالتـزام في بعض الحالات بحق المساواة في التقاضي من تمييز بين الخصوم في الجلسات،وعدم السماح لأحدهم بالرد على الدعوى، أو الضغط عليه للاختصار في الدعوى، أو عدم قبول دعواه مكتوبة ، أو ترهيبه بعقوبات تعزيرية، مثل الحبس بغية التأديب أو العقاب لعدم الالتزام بالآداب العامة في الجلسات, كما تم رصد عدم المساواة، أحيانًا، بين المتهمين من ناحية العقوبات التعزيرية الصادرة بحقهم،حيث يكون هناك عقوبات مختلفة مع أن الجرم المرتكب واحد، والظروف المحيطة بالقضية متشابهة، وذلك يرجع إلى عدم تقنين أو تدوين العقوبات التعزيرية.
* عدم التقاضي العلني، حيث يتم اللجوء إلى سرية الجلسات في بعض القضايا المعروضة، مع مخالفة ذلك للأنظمة المحلية ولالتزامات المملكة الواردة في الاتفاقيات الدولية والتي تعتبر، جزءاً من النظام القانوني السعودي.
* التمييز-أحيانا- بين الشهود في قبول الشهادة, فتقبل من البعض دون تمحيص، مثل أن يطلب من رجال الشرطة أو المباحث أو رجال هيئة الأمر بالمعروف وغيرهم شهاداتهم ضد من قاموا بالقبض عليه، حيث يشهدون على صحة ما كتبوه أو ادعوه ضد المتهم.
وهذا الإجراء فيه مخالفة لبعض القواعد الشرعية والنظامية التي تقضي بعدم قبول شهادة من ولاه ولي الأمر على المسلمين بالرقابة أو الرعاية مثل الشَرط ورجال الهيئة والمباحث وغيرهم، ففي ذلك إهدار لحق المتهم في أن يسمع ويجرح ويدافع عن نفسه بتوضيح موقفه.
والجمعية تدعو إلى إعادة النظر في الاعتماد على الشهادات التي مصدرها من قام بالقبض على المتهم.
وفضلاً عن هذه الحالات الواقعية مما رصدته الجمعية من خلال ما ورد إليها من شكاوى، فإن ثمة ظواهر تم الإشارة إلى بعضها في التقرير الأول ولا زالت تحتاج إلى عناية الجهاز القضائي، نذكر منها:
* طول مدة نظر بعض القضايا أمام المحاكم وتضرر المتخاصمين من ذلك، وعلى وجه الخصوص في القضايا العمالية وبعض قضايا الأحوال الشخصية والسجناء.
* قلة عدد القضاة مقارنة بعدد السكان وعدد القضايا وعدم توزيعهم بشكل كاف على مناطق المملكة وضعف مراقبة التوزيع العادل للقضاة على المحاكم في مختلف مناطق المملكة بالنظر إلى أعداد القضايا المنظورة, وتعيين بعض القضاة في بعض المناطق ثم السماح بندبهم إلى الوزارة أو جهات أخرى وترك المحكمة التي عينوا بها دون قاض لمدة قد تطول.
* عدم التزام بعض القضاة أحياناً بمواعيد الجلسات أو تأجيل النظر في القضية إلى جلسات أخرى مع إمكانية الاستماع للخصوم وحسم النزاع في نفس الجلسة.
* ندرة البرامج التأهيلية للقضاة وضعف الآلية المناسبة لإعدادهم واختيارهم،ومع ذلك فقد رصدت الجمعية بعض الجهود للمعهد العالي للقضاء في إقامة دورات وورش عمل للقضاة ؛ بهدف الرفع من كفاءتهم واطلاعهم على تطبيقات للأنظمة السارية.
ولكن الحاجة تدعو إلى إقامة دورات متخصصة للقضاة ؛لإعدادهم للعمل في المحاكم المتخصصة التي أنشاها النظام القضائي الجديد(أحوال شخصية,جزائية , عمالية ,تجارية, مرورية…الخ).
* عدم قيام بعض القضاة بتعريف المتهم بحقوقه، ومن ذلك حقه في المطالبة بمعاقبة من استخدم العنف ضده أو اجبره على الاعتراف، وكذلك حقه في الاعتراض على الحكم, وخاصة بالنسبة للسجناء.
* المبالغة أحيانا في بعض الأحكام التعزيرية في عقوبة السجن و الجلد.
* تكليف القاضي بممارسة بعض الأعمال الإدارية بالإضافة لعمله مما يستنزف الوقت المخصص لنظر القضايا.
* رفض بعض القضاة النظر في بعض القضايا مع أنها تدخل ضمن اختصاصهم، مما يعد انتهاكاً لحق التقاضي الذي كفله النظام الأساسي للحكم والتزمت به المملكة في التزاماتها الدولية.
* عدم تفعيل الأخذ بوسائل الإثبات الحديثة في بعض القضايا التي يعتمد الفصل فيها على ذلك.كما هو الحال بالنسبة للحامض النووي
* تحديد موقف قضائي واضح عن التعويض عن الخطأ في إجراءات القبض والاحتجاز أو في التوقيف أو السجن أو التعذيب أو التعسف أو استغلال النفوذ.
على الرغم من أن ديوان المظالم -الذي يمثل القضاء الإداري في المملكة- قد أرسى مبدأ التعويض عن خطأ الإدارة، فإن الأمر لا يزال بحاجة إلى توضيح كافة القواعد والضوابط المحددة للتعويض عن الخطأ الإداري وخاصة فيما يتعلق بالتعويض عن الخطأ في إجراءات القبض والاحتجاز أو في التوقيف أو السجن أو التعذيب أو التعسف أو استغلال النفوذ.
ولذلك فان تحديد ماهية الخطأ وصوره الموجبة للتعويض؛ و تحديد نطاق التعويض وأنواع الأضرار التي يعوض عنها.(طول مدة الاحتجاز – مدى الضرر المادي والمعنوي الواقع على ضحية الاعتقال غير القانوني وعلى ذويه. فداحة الخطأ الذي أدى إلى الاحتجاز).
وقد يستدعي الأمر إيجاد نص نظامي لهذه المسائل الهامة و بدون ذلك يظل مصير الدعوى التي يرفعها المتضرر من خطأ الإدارة ، مجهولاً من حيث قبولها ومن حيث نطاقها، مما قد يؤدي إلى وجود ممارسات إدارية غير معوض عنها.
وقد رصدت الجمعية صدور بعض الأحكام التي عوض أصحابها، كما رصدت بعض الأحكام الأخرى التي لم يعوض أصحابها بحجج مختلفة، منها أن الحكم الصادر في القضية المتهم بها طالب التعويض لم ينص على البراءة وإنما تضمن صرف النظر عن الدعوى لعدم اكتمال الأدلة, أو أن ناظر القضية يرى أن الأسباب التي أثارتها الإدارة وجيهة وبالتالي لم يحكم بتعويض الضحية.
ومع أن المادة السابعة عشرة بعد المائتين من نظام الإجراءات الجزائية تنص على أن "لكل من أصابه ضرر نتيجة اتهامه كيداً, أو نتيجة إطالة مدة سجنه أو توقيفه أكثر من المدة المقررة الحق في طلب التعويض"، فإن ضمان تطبيق هذا الحق يقتضي تنظيمه من خلال نص في نظام الإجراءات أو لائحته التنفيذية يحدد ضوابط مثل هذا التعويض اعتمادًا على ما أشير إليه أعلاه, ولا يترك الأمر للاجتهادات الفردية للقضاة.
و الجمعية تأمل خيراً في الآثار الإيجابية لبعض التوجهات التي تم ملاحظتها على الجهاز القضائي ومنها:
- أخذ بعض قضاة محاكم الدرجة الأولى ببدائل عقوبة السجن وإن كان بعض هذه الأحكام لم يحظ بالتأييد من هيئة التمييز.
- صدور مدونة الأحكام رغم اتسامها بالانتقائية ،وما تكشفه من ملاحظات سبق تسجيلها على بعض القضاة ،ومن أبرزها إصدار الأحكام دون تسبيب بالمخالفة للأنظمة التي تنص على ذلك.
-وجود شعور لدى بعض العاملين في السلك القضائي بأهمية التطوير والتحديث لما في ذلك من انعكاس على سير تحقيق العدالة.
3- وزارة الداخلية:
اشاد التقرير بوزارة الداخلية وعدها من أكثر الجهات تواصلاً مع الجمعية
ورصد التقرير بعض التجاوزات والتظلمات الفردية من بعض الأجهزة الأمنية والإدارية التابعة لوزارة الداخلية مما يستلزم إدراج نصوص في برامج تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين من الجنود والضباط وغيرهم ، سواء أكانوا من المدنيين أو العسكريين, تحظر التعدي على الأشخاص أو معاملتهم معاملة مهينة أو لا إنسانية و تحدد واجباتهم والمحظورات المفروضة عليهم بشكل واضح ودقيق
وأبان التقرير أهمية قيام القضاء وهيئة الرقابة والتحقيق بدورهما في هذا الشأن, فعندما يعرض على القضاء متهم يدعي تعرضه إلى التعذيب أو يقرر أن ما أخذ منه من أقوال قد انتزع بالإكراه فينبغي إحالة تظلمه إلى جهة محايدة للتحقيق فيما يدعيه بدلاً من إعادته إلى نفس الجهة التي قدمته للمحاكمة .
فيما رصدت الجمعية إشكالية عدم وجود مقار مملوكة للدولة لأغلب الأجهزة الأمنية والإدارية التابعة لوزارة الداخلية مما يترتب عليه صعوبة مطالبة تلك الأجهزة بالوفاء بمتطلبات المحافظة على حقوق الإنسان من حيث المكان عند توقيف الأشخاص أو التحقيق معهم كما أن الموظفين والعاملين في هذه الأجهزة ومرتاديها يعانون من ضيق هذه المقرات وعدم مناسبتها لما وضعت من أجله، وطالبت بأيجاد خطة ان لم تكن موجود او تنفيذها ان كانت موجودة.
وعرج التقرير على موضوع المعتقلين الامنيين حيث اشارالى ان الجمعية استمرت في تلقي شكاوى بعض المواطنين و المقيمين بخصوص توقيف جهاز المباحث لأبنائهم لفترات يمتد بعضها إلى أكثر من أربع سنوات دون أن يتم إحالتهم للمحاكمة. اضافة الى شكاوى تتعلق بموقوفين أحيلوا للمحاكمة و انتهت محكوميتهم و لم يفرج عنهم كما علمت الجمعية أن عدداً من الموقوفين قد نقلوا من سجون حيث تقيم أسرهم إلى سجون أخرى دون أسباب واضحة.
وطالبت الجمعية بضرورة إحالة الموقوفين إلى القضاء أو الإفراج عنهم كما ينص على ذلك نظام الإجراءات الجزائية حيث يقضي بعدم جواز الاعتقال دون إحالة للمحاكمة أو الإفراج عن المتهم لمدة تزيد عن ستة أشهر.
وعلق التقرير على قضية الأشخاص الذين لا يحملون أوراقاً ثبوتية أو أوراقاً مؤقتة
مبينا ً أن مشكلة هؤلاء الأشخاص تكمن في عدم حصولهم على الجنسية السعودية وعدم حملهم أوراقاً ثبوتية رغم أنهم يعيشون في المملكة منذ سنوات طويلة وليس لديهم أية جنسية على الإطلاق أو لديهم جنسية بلد لا يرغبون الذهاب إليه لولادتهم في المملكة أو لطول إقامتهم فيها.
تعد وزارة الداخلية من أكثر الجهات التي تتواصل معها الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان سواء في قضايا السجناء أو الجنسية أو التجاوزات أو التظلمات التي ترد للجمعية بشأنها شكاوى من بعض المواطنين أو المقيمين.
و مع أن الجهات المعنية في الوزارة ترد على خطابات الجمعية، فإن الملاحظ هو تأخر الردود، وقد يصل الـتأخير أحيانا لعدة أشهر، كما أن طبيعة بعض الردود لا تحمل إجابات مقنعة على ملاحظات واستفسارات الجمعية. و قد تسبب حصر مخاطبات الجمعية لقطاعات الوزارة المختلفة و منها إمارات المناطق في وكالة الوزارة في تـأخير البت في القضايا حيث حملت الوكالة مسؤولية الرد على كم كبير من القضايا. في حين أن المخاطبة المباشرة لإمارات المناطق و السجون والإدارات الأخرى كما كان عليه العمل في السابق كانت تحقق تجاوبا سريعاً، و هذا ما جعل الجمعية تطالب بالعودة إلى ما كان معمولا به سابقا وقد تم ذلك مؤخرا وتم التعميم على الجهات التابعة لوزارة الداخلية بالتجاوب مع الجمعية ويأتي ذلك تنفيذا للأمرين الساميين رقم 2/ب/ 4616 وتاريخ 24/1/1425هـ و رقم 605/م ب وتاريخ 22/1/1429هـ .
والجمعية تقدر للوزارة هذه الخطوة, لأن فتح قنوات اتصال مباشرة بين الجمعية و هيئة حقوق الإنسان من جهة و كافة قطاعات وزارة الداخلية من جهة أخرى يؤدي إلى حماية حقوق المواطنين و المقيمين و يساهم في عدم تأخير النظر في تظلماتهم ويسمح لكبار المسؤولين في الوزارة بالاطلاع من خلال جهة محايدة على حقيقة ما يحدث على أرض الواقع كما أن ذلك يساعد الجهات العليا في الوزارة من الناحية الرقابية. ومع ذلك فإن الحاجة تقتضي تعديل التعميم الصادر في هذا الشأن بحيث يتيح للجهات المزيد من الحرية في الرد والبعد عن المركزية التي قد تساهم أحيانا في تأخير مساعدة صاحب الحق أو المتظلم.
وخلال الفترة التي يغطيها التقرير رصدت الجمعية بعض التجاوزات والتظلمات الفردية من بعض الأجهزة الأمنية والإدارية التابعة لوزارة الداخلية مما يستل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ